لماذا تألمك وخزة ابرة و لا تشعر بكبد يزن 1,5 كلغ؟
أين يختفي وزن أعضائنا؟
يزن الكبد 1.5 كلغ، والرئتان 1.3 كلغ، والقلب مئات الغرامات، ومع العظام والعضلات والدم وبقية الأعضاء، نحمل عشرات الكيلوغرامات داخلنا في كل لحظة... ومع ذلك لا نشعر بثقل أي منها، فأين تختفي كل هذه الأوزان؟
في المقابل، تكفي وخزة إبرة لا يتجاوز وزنها جزءًا من الغرام لتجعلنا نتألم فورًا
للإجابة عن هذا السؤال، يجب أولًا أن نتخلى عن فكرة شائعة: الدماغ لا يشعر بالأشياء لأن لها وزنًا، بل لأنه يتلقى إشارات من المستقبلات الحسية
فلو حملت حقيبة تزن خمسة كيلوغرامات، ستشعر بثقلها لأن عضلاتك ومفاصلك وجلدك ترسل إلى الدماغ إشارات تخبره بوجود حمل إضافي وغير معتاد
أما أعضاء الجسم، فهي ليست أجسامًا غريبة نحملها فوق أجسادنا، بل هي جزء منا. لقد نشأ الدماغ في وجودها، وتطور معها، وتعلّم منذ البداية أن يعتبرها الحالة الطبيعية للجسم. لذلك لا يرسل أي إنذار بشأنها، تمامًا كما لا تشعر بوجود أنفك في مجال رؤيتك رغم أنه أمام عينيك طوال الوقت
هناك سبب آخر لا يقل أهمية. فالأعضاء الداخلية ليست معلقة داخل الجسم كالأشياء داخل حقيبة، بل تتوزع أوزانها على العظام والعضلات والأربطة والأغشية. إنها في حالة توازن مستمر، ولذلك لا يوجد ضغط مفاجئ أو غير طبيعي يدفع الدماغ إلى الانتباه
لكن المفارقة الحقيقية تظهر عندما نقارن ذلك بوخزة إبرة
إبرة صغيرة لا يتجاوز وزنها بضعة غرامات قد تجعلنا نقفز من الألم، بينما لا نشعر بأعضاء تزن عدة كيلوغرامات. لماذا؟
لأن الجلد هو أحد أكثر أعضاء الجسم غنى بالمستقبلات الحسية. ففي كل سنتيمتر من جلدنا توجد آلاف النهايات العصبية القادرة على اكتشاف أدق التغيرات: حرارة، وبرودة، وضغط، واهتزاز، وألم. وعندما تخترق الإبرة الجلد، تنشط مستقبلات الألم فورًا وترسل إشارات كهربائية بسرعة كبيرة إلى الدماغ، فيُترجمها إلى إحساس مؤلم يجبرنا على الانتباه
أما معظم الأعضاء الداخلية، فهي أقل حساسية بكثير للألم واللمس. لذلك لا نشعر بالكبد وهو يتمدد قليلًا، ولا بالرئتين وهما تتحركان باستمرار. وفي الحقيقة، لو كانت أعضاؤنا الداخلية تمتلك الحساسية نفسها الموجودة في الجلد، لكانت كل نبضة قلب وكل حركة للأمعاء مصدرًا دائمًا للإزعاج
وهنا تكمن عبقرية الجسم البشري؛ فالدماغ لا يعرض لنا كل ما يحدث داخلنا، بل يختار بعناية ما يستحق أن نشعر به وما يمكن أن يستمر في صمت. إنه يحجب عنا ملايين الإشارات التي لا فائدة من إدراكها، حتى نستطيع التركيز على العالم من حولنا
لهذا، فإننا نسير كل يوم حاملين داخلنا أعضاءً ثقيلة ومعقدة تعمل بلا توقف، دون أن نشعر بوجودها. قلوب تنبض، ورئات تتنفس، وكبد يصفّي الدم، وكليتان تنقيان الجسم، وكل ذلك يحدث في صمت مدهش
وربما أعظم ما في الأمر أننا لا ننتبه إلى هذه المعجزة إلا عندما يختل شيء منها. عندها فقط ندرك أن داخل كل إنسان عالمًا كاملًا من الأعضاء والعمليات الحيوية، يعمل بصمت ودقة، ويحمل أوزانًا لا نشعر بها... لأن الدماغ قرر أن يجعلها جزءًا من معنى أن تكون إنسانًا
وكل هذا يجعلني أتوقف كل مرة عند قوله تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾
فأدرك من جديد أن آيات الله سبحانه وتعالى في أبداننا لا تُعد ولا تُحصى، وأن الإنسان كثيرًا ما يفتش عن المعجزات في الآفاق البعيدة، وينسى أن أقرب معجزة إليه هي ذلك الجسد الذي يحمله معه أينما ذهب
نبحث عن الاستثناءات، بينما تعيش المعجزة فينا كل ثانية؛ في نبضة قلب لا نشعر بها، وفي نفس يدخل الرئتين دون أن نأمره، وفي أعضاء تحمل أوزانًا كبيرة دون أن نحس بثقلها
لعل المشكلة تكمن دائما في اعتيادنا على المعجزات حتى أصبحت مألوفة. فالنفوس لا تُبصر ما فيها من عجائب، لأنها وُلدت معها. ولو فقد الإنسان واحدة من هذه النعم للحظات، لأدرك أن في جسده من الآيات ما يكفي عمرًا كاملًا من التأمل والتدبر


قمة الرُقي 🌱🌱
الجلد هو اكبر الاعضاء في الجسم صحيح هذا الكلام؟