لماذا لم تسألني أمّي؟
لا يفهمون ماذا تقصد شفتيَّ أما انت فبلمحة تقرئين الكتاب، هل تعطيني وعدا أن نبقى مع بعض طول العمر شباب؟

في ليلةٍ حالكة، شعرتُ وكأنّ جدران غرفتي تضيق عليّ شيئًا فشيئًا. كان كلّ ما حولي غارقًا في سكونٍ ثقيل، صمتٍ يضاعف وطأة الحزن، ويجعل قلبي أكثر ثِقَلًا. كنتُ أتنفّس ببطء، وكأنّ أنفاسي نفسها مرهقة، مثقلة بذكرياتٍ لا تكفّ عن الدوران في رأسي. وكأنّ هذا الثقل لم يكن وليد لحظة، بل تراكم أيّامٍ من السعي المتعب، ودروسٍ لا تنتهي، وشعورٍ خفيّ بأنني أركض في طريقٍ لا يشبهني… طريقٍ أصل فيه متأخّرةً دائمًا، وكأنّ كلّ شيءٍ فيه يسبقني.
ليلةٌ بدت لي وكأنّها الأخيرة… لا ليلة بعدها. كنتُ أتساءل: كم ستطول؟ وأحاول أن أُقنع نفسي بأنّ أطول الليالي لا بدّ أن تنتهي… لكنها لم تكن لتنتهي.
جلستُ على كرسي مكتبي، ذاك الركن الذي زيّنتُه بنفسي، وجعلتُه ملاذًا ألوذ به من العالم… أو لعلّه من أحزاني. كنتُ أظنّ يومًا أنّ العالم هو سبب حزني، حتى أدركتُ أنّ الحزن يسكنني، يرافقني حيثما ذهبت، ولا يغادرني حتى وإن اعتزلتُ الناس في أضيق الأمكنة.
حملتُ قلمي لأكتب… لكنّي لم أدرِ ماذا أكتب. فلا كلمات تُعبّر عمّا بداخلي، ولا شيء يُطفئ تلك النار المشتعلة في صدري. في تلك اللحظة، دخلت أمّي. اقتربت منّي، ووقفت أمامي، ثم بدأت تُحدّثني بعفويّة عن تفاصيل يومها. لم أكن أستمع للكلمات بقدر ما كنتُ أستمع إلى صوتها… ذلك الصوت الدافئ الذي منحني شعورًا بالأمان، رغم الخوف الغامض الذي كان يسكنني. أيّ خوفٍ كان ذاك؟ أهو خوفٌ من الغد؟ أم من اليوم؟ أم من اللوم؟ أم لعلّه… خوفٌ من لا شيء؟
كانت تبتسم، ابتسامة تُضيء ملامحها، وكأنّها لا ترى في الحياة إلا الجمال، وكأنّ كلّ شيءٍ حولها يرقص على إيقاع السعادة. رغم أنّها، في الحقيقة، كانت تحمل من الهموم ما يثقل الجبال… لكنها كانت تتخفّف منها لأجلي.
توقّفت فجأة، ونظرت إليّ قائلة: – هل أنتِ بخير؟
أجبتُ: نعم.
ساد صمتٌ قصير… صمتٌ لم نُصدّق فيه ما قيل. ثم تحرّرت دموعي أخيرًا، تلك التي طال احتباسها، وانهمرت بلا توقّف، وكأنّها تعلن عن حزنٍ طال إخفاؤه.
لم تسألني أمّي عن السبب ، لم تُلحّ، ولم تُفتّش في تفاصيل وجعي؛ اكتفت بحضنٍ صغير… لكنه كان كافيًا ليُرمّم كلّ ما انكسر داخلي. ثم ابتسمت، وأكملت حديثها كأنّ شيئًا لم يكن، محاولةً أن تُضحكني. مسحتُ دموعي، وحاولتُ أن أندمج معها… وقد خفّ عنّي شيءٌ كثير.
لكن سؤالًا ظلّ يرافقني: لماذا لم تسألني؟ لماذا لم تُصرّ على معرفة السبب؟ ولو سألتني… ماذا كنتُ سأقول؟…
حينها فقط أدركت: أنّها تعرف… أكثر ممّا أعرف أنا.
فالأم لا تسمع كلماتنا فحسب، بل تُصغي إلى ما تقوله قلوبنا، حتى وإن عجزت شفاهنا عن البوح.
في مثل هذه اللحظات، نفهم معنى الأم حقًا… أن تكون صمتًا يداوي، وحديثًا يُطمئن، ووجودًا يمنح الأمان.
لكن… هل نمنحهنّ نحن شيئًا من هذا؟ لماذا لا نحاول أن نحتوي قلوبهنّ، ولو بجزءٍ بسيطٍ من العطف الذي يغمرننا به؟ لماذا نبخل بكلمةٍ طيّبة، أو ابتسامةٍ صادقة، وهي التي فتحت لنا أبواب الحياة بدعاءٍ لا ينقطع؟ كم مرّة قلنا لهنّ “نحبّك”؟ غالبًا كانت آخر مرّة منذ زمنٍ بعيد.
نحبّهنّ بصدق، نعم… حبًّا لو وُزّع على العالم لكفاه دفئًا. لكنّنا لا نُعبّر. نختبئ خلف الخجل، أو الظروف، أو العادات… بينما الحقيقة أبسط من ذلك بكثير.
نحن لا نُدرك قيمة التفاصيل الصغيرة: كلمة لطيفة… ابتسامة… اهتمام عابر… قد تكون أعظم من أفعالٍ كبيرة. ألم يقل الله تعالى: "وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا" و "وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ"
لقد حصرنا البرّ في الرعاية عند الكِبر، ونسينا أنّ اللين والرحمة في كلّ يوم… هي جوهر البرّ..
نحن نمضي في الحياة باحثين عن الهداية، وعن طريقٍ مستقيم… لكن ربما كانت البداية أقرب ممّا نظن: أن نبرّ أمّهاتنا بصدق، لأنهن ذاك السلام الذي يغمر حياتنا فيشعرنا بالراحة والأمل رغم المصاعب، ويجعلنا ندرك أنّ الحياة رغم قسوتها لا تزال تحمل نورًا ينتظرنا في مكان ما رغم ظلام الواقع ، يشعرنا أن محبّتهم تمنح لقلوبنا الحياة لندرك أخيرا أنها الحياة بحد ذاتها...
سألوني عن أحبهم إليَّ… فلم أتذكر سواك رغم كثرة الركابْ
لم أرى منهم سوى خير عليَّ… لكنك قبل السؤال تمنحني الجوابْ
لا يفهمون يا أمي ماذا تقصد شفتيَّ… وأنت بلمحة تقرأين الكتابْ
مضى أقسى من أن يُمحى من عينيًّ… يوم أدركت فيه أن الحياة تفرق الأحبابْ
سيهون فراقهم .... وإن بات الكمد بين كتفيًّ… لكن اليوم بدونك لوحده عذابْ
هل لي منك وعد يُروي طمأ أمانيَّ… أن نبقى مع بعض طول العمر شبابْ ؟؟

🤎✨
ربي يوفقك ❤️🩹✨