الأذن ليست للسمع فقط
هل حقا للأذن وضيفة غير السمع؟
في مقال سابق، تناولنا الكيفية المدهشة التي تمكننا من سماع الأصوات، وكيف تتحول الاهتزازات البسيطة في الهواء إلى إشارات عصبية دقيقة، يفسرها الدماغ على أنها كلمات وأصوات ومشاعر
واليوم أود أن أدهشكم بحقيقة أخرى لا تقل روعة
الأذن ليست عضوًا للسمع فقط، بل تُعد أيضًا أحد أهم أجهزة التوازن في جسم الإنسان
وقد يبدو هذا الأمر غريبًا للوهلة الأولى، لكن الحقيقة أن فقدان وظيفة التوازن التي توفرها الأذن الداخلية يجعل من الوقوف أو المشي تجربة صعبة للغاية
ماذا يحدث عند فقدان وظيفة التوازن؟
عند اضطراب جهاز التوازن في الأذن الداخلية، تظهر مجموعة من الأعراض المزعجة، من أبرزها
إحساس مستمر بالدوران أو أن المكان يتحرك
صعوبة في المشي في خط مستقيم
فقدان التوازن عند تغيير وضعية الرأس بسرعة
الغثيان، وقد يصل أحيانًا إلى القيء
اضطراب في الرؤية، وكأن العينين غير قادرتين على تثبيت الصورة
تركيب الأذن الداخلية
تنقسم الأذن إلى ثلاثة أجزاء رئيسية
الأذن الخارجية
الأذن الوسطى
الأذن الداخلية
وتُعد الأذن الداخلية الجزء الأهم في موضوعنا، إذ تضم ثلاث بنى أساسية
القوقعة (La cochlée): المسؤولة عن السمع
الدهليز (Le vestibule)
القنوات نصف الدائرية (Les canaux semi-circulaires)
وقد تناولنا سابقًا وظيفة القوقعة في السمع، أما الآن فسنركز على الجهاز المسؤول عن التوازن
كيف تعمل القنوات نصف الدائرية؟
توجد ثلاث قنوات نصف دائرية مملوءة بسائل شفاف داخل الأذن الداخلية
ولم تُخلق هذه القنوات بشكل عشوائي، بل وُضعت في ثلاثة مستويات مختلفة، مما يسمح لها برصد حركات الرأس في جميع الاتجاهات
يمكن تشبيه عملها بكأس ماء
عند تحريك الكأس بسرعة، يستمر الماء في الحركة حتى بعد توقف الكأس لجزء من الثانية
بنفس الطريقة، يتحرك السائل داخل القنوات نصف الدائرية عند دوران الرأس
هذا التحرك يضغط على خلايا حسية دقيقة جدًا تشبه الشعيرات، فتحوّل الحركة إلى إشارات عصبية تُرسل مباشرة إلى الدماغ
وخلال أجزاء من الثانية فقط، يقوم الدماغ بتحديد اتجاه الحركة (يمين، يسار، أعلى، أو أسفل)، ثم يرسل أوامر فورية للعضلات للحفاظ على التوازن
كيف يدرك الدماغ وضعية الجسم؟
يتكامل عمل القنوات نصف الدائرية مع جزء آخر يُسمى الدهليز
ويتكون الدهليز من بنيتين دقيقتين
Utricule (القريبة)
Saccule (الكُييس)
تحتوي هذه البُنى على بلورات مجهرية من كربونات الكالسيوم
عند تغيير وضعية الرأس أو عند التعرض للجاذبية، تتحرك هذه البلورات، مما يؤدي إلى انحناء الخلايا الحسية وإرسال إشارات إلى الدماغ
وبذلك يستطيع الدماغ تحديد وضعية الجسم بدقة، سواء كنت
واقفًا
جالسًا
مستلقيًا
تصعد أو تنزل
تتحرك للأمام أو الخلف
دون أي مجهود واعٍ منك
تناغم مذهل بين الحواس
لا يعمل جهاز التوازن في الأذن بمفرده، بل يعتمد على تكامل دقيق بين
الأذن الداخلية
العينين
العضلات والمفاصل
يقوم الدماغ بمقارنة هذه الإشارات باستمرار، لضمان ثبات الجسم أثناء الحركة
ولهذا نستطيع المشي، والركض، وصعود الدرج دون أن نفقد توازننا، حتى مع إغلاق العينين
قال الله تعالى:
﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾
كم مرة مررنا أمام هذه الآية دون أن نتوقف عند معناها؟
إننا نبحث عن العجائب في كل مكان، بينما نحملها معنا في أجسادنا
فهذا العضو الصغير الذي نظنه مخصصًا لسماع الأصوات فقط، يخفي وراءه نظامًا بالغ الدقة يحفظ توازننا في كل لحظة من حياتنا
ربما لا ننتبه إلى نعمة التوازن إلا عندما نفقدها، ولا ندرك قيمة السمع إلا عندما يضعف
لذلك فإن أعظم ما يمكن أن نختم به هو الحمد
الحمد لله على نعمٍ تعمل في أجسادنا ليلًا ونهارًا دون أن نشعر، وعلى أجهزة بالغة التعقيد وهبنا إياها مجانًا، ثم اعتدنا وجودها حتى نسينا أن نتأملها
فسبحان من أودع في عضو صغير قدرةً على أن يسمع العالم، وأن يحفظ الإنسان واقفًا فيه



شكرا جزبلا, اسلوبك رغم طبيعة الموضوع الا انه كان بسيطا سهل الفهم
دائما كنت اسئل عن معنى هذه الآية واليوم وبعد قراءة عدد من المقالات عرفت معناها سبحان الله من جعل ابسط الاشياء التي نعتقدها غير مفيدة فهي لها أهمية كبيرة في حياتنا اليومية