من أكثر المواضيع الطبية التي تثير فضول الجميع كلُّ ما يتعلق بتشريح الدماغ أو فيزيولوجيا عمل أجزائه، وكثيرًا ما راودني سؤال: لماذا الدماغ بالذات؟
حتى توصلت إلى استنتاج قد يبدو غريبًا، لكنه كان كافيًا ليشبع فضولي، حتى لو كان خاطئًا: أليس الدماغ هو من يكتب هذه الكلمات، ويفهمها، ويتخذ قراراتك، ويجعلك تفكر، وتتساءل، وتبحث؟ فربما هو فقط يريد أن يعرف أكثر عن نفسه
يُعد الدماغ جزءًا من الجهاز العصبي، لذلك قبل الشروع في تعريفه، لا بد من معرفة ما هو الجهاز العصبي أولًا، وممَّ يتكون
يتكون جسم الإنسان من مجموعة من الأجهزة، وكل جهازٍ منها يتشكل من مجموعة من الأعضاء التي تحقق وظيفة معينة. فمثلًا: الفم، والبلعوم، والمعدة، والأمعاء الدقيقة... جميعها معًا تشكل الجهاز الهضمي، أما الدماغ، والحبل الشوكي، والأعصاب، فتشكل الجهاز العصبي
بعد اطلاعٍ عام على تقسيم الجهاز العصبي، يمكنني الغوص أكثر في مفهوم الدماغ
الدماغ (Brain)
الدماغ هو العضو الرئيسي في الجهاز العصبي، ويُعد مركز القيادة والتحكم في الجسم. يستقبل المعلومات القادمة من الحواس، ويعالجها، ثم يرسل الأوامر إلى مختلف أعضاء الجسم، كما يتحكم في التفكير، والذاكرة، والتعلم، والحركة، والمشاعر، واللغة، وينظم العديد من الوظائف الحيوية، مثل التنفس ونبض القلب
ويقع داخل الجمجمة، التي تحميه من الصدمات والإصابات، ويمكن تقسيمه إلى أربعة أجزاء رئيسية:
المخ (Cerebrum)
هو أكبر جزء من الدماغ، ويشكل معظم حجمه، ويُعد المسؤول عن الوظائف التي تميز الإنسان، مثل التفكير، والتعلم، والذاكرة، واللغة، والإحساس، والحركة الإرادية
ينقسم إلى نصفين: النصف الأيمن: يتحكم في حركة وإحساس الجانب الأيسر من الجسم، ويساهم في الإبداع، والخيال، والإدراك البصري والمكاني
النصف الأيسر: يتحكم في حركة وإحساس الجانب الأيمن من الجسم، ويختص غالبًا باللغة، والقراءة، والكتابة، والحساب، والتفكير المنطقي
وينقسم كل نصف إلى أربعة فصوص رئيسية:
الفص الجبهي (Frontal Lobe)
التفكير، واتخاذ القرارات، والتخطيط، والحركة الإرادية، والكلام
الفص الجداري (Parietal Lobe)
الإحساس باللمس، والحرارة، والألم، وفهم موقع الجسم في الفراغ
الفص الصدغي (Temporal Lobe)
السمع، والذاكرة، وفهم اللغة
الفص القذالي (Occipital Lobe)
معالجة المعلومات البصرية والرؤية
المخيخ (Cerebellum)
المخيخ هو ثاني أكبر جزء في الدماغ، ويقع في الجزء الخلفي السفلي من الدماغ، أسفل المخ وخلف جذع الدماغ
وظيفته: الحفاظ على توازن الجسم
تنسيق الحركات وجعلها دقيقة وسلسة
المساعدة في الحفاظ على وضعية الجسم
تعلم المهارات الحركية، مثل الكتابة وركوب الدراجة
ببساطة: المخيخ لا يصدر أوامر الحركة، بل ينسقها ويجعلها متوازنة ودقيقة. لذلك، عند تعرضه لضرر قد يصبح المشي غير متزن، وتصبح الحركات مهتزة أو غير دقيقة
جذع الدماغ (Brainstem)
جذع الدماغ هو الجزء الذي يربط الدماغ بالحبل الشوكي، ويقع في قاعدة الدماغ أمام المخيخ
ويتكون من ثلاثة أجزاء: الدماغ الأوسط (Midbrain)
الجسر (Pons)
النخاع المستطيل (Medulla Oblongata)
وظيفته:
تنظيم الوظائف الحيوية اللاإرادية، مثل التنفس، ونبض القلب، وضغط الدم
نقل الرسائل العصبية بين الدماغ والحبل الشوكي
المساعدة في التحكم في بعض المنعكسات، مثل البلع، والسعال، والعطاس
ببساطة: يمكن اعتبار جذع الدماغ مركز الحياة، لأنه يتحكم في وظائف أساسية تستمر بالعمل تلقائيًا حتى أثناء النوم، دون أن تحتاج إلى التفكير فيها
الدماغ البيني (Diencephalon)
الدماغ البيني هو جزء يقع في عمق الدماغ، بين المخ وجذع الدماغ، ويعمل كمركز مهم لتنظيم ونقل المعلومات داخل الجهاز العصبي
ويتكون بشكل رئيسي من:
المهاد (Thalamus)
يستقبل معظم المعلومات الحسية القادمة من الجسم، ثم يوجهها إلى المناطق المناسبة في المخ لمعالجتها
تحت المهاد (Hypothalamus)
ينظم العديد من الوظائف الحيوية، مثل درجة حرارة الجسم، والجوع، والعطش، والنوم، وإفراز الهرمونات، كما يساعد في الحفاظ على توازن الجسم الداخلي
ببساطة:
يشبه المهاد مركز توزيع الرسائل داخل الدماغ، بينما يشبه تحت المهاد منظم الجسم الداخلي، إذ يحافظ على عمل الجسم بصورة متوازنة وطبيعية
كيف تتعاون هذه الأجزاء معًا؟
من أجل فهم التناغم الدقيق بين وظائف أجزاء الدماغ المختلفة، يمكنني إسقاطها على تصرف بسيط جدًا
تخيل أنك تمشي في المنزل، وفجأة وقع نظرك على كوب ماء على الطاولة. في اللحظة الأولى يلتقط الضوء المنعكس من الكوب عينك، ثم تصل الإشارات العصبية إلى المهاد الذي يوجهها إلى المنطقة المناسبة في المخ. هناك يتعرف الفص القذالي على ما تراه، ويخبرك أن هذا كوب ماء، بينما يسترجع الفص الصدغي خبراتك السابقة عنه، ويحدد الفص الجداري مكان الكوب والمسافة التي تفصلك عنه. بعد ذلك يتدخل الفص الجبهي ليتخذ القرار: سأتناول الكوب، ثم يرسل الأوامر لتحريك ذراعك ويدك. وفي أثناء ذلك يعمل المخيخ على تنسيق الحركة بدقة حتى تمسك الكوب بسلاسة دون أن تسقطه، بينما ينقل جذع الدماغ الإشارات بين الدماغ والجسم ويواصل في الوقت نفسه تنظيم تنفسك ونبضات قلبك دون أن تشعر. وإذا كنت عطشانًا، فإن تحت المهاد يكون قد أرسل أصلًا إشارات العطش التي دفعتك للبحث عن الماء
كل هذه الأحداث تتم في أقل من ثانية، في تعاون مدهش بين أجزاء الدماغ المختلفة، لتنجز حركة تبدو لنا في غاية البساطة: رؤية كأس ماء، والتعرف عليه، واتخاذ قرار شربه، ومد اليد نحوه، والإمساك به دون أن ينسكب
هذه هي عظمة الدماغ؛ فحتى أبسط تصرفاتنا اليومية هي في الحقيقة نتيجة تنسيق مذهل بين مليارات الخلايا العصبية
﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: 53]
فسبحان من خلق هذا الإبداع، وأودع في عقولنا هذا الكون الصغير الذي لا يزال يحمل من الأسرار أكثر مما كشفه العلم حتى اليوم






سبحان الله
شكرا على النقال الراقي