«طال الليل، وطال النهار، ولم تبقَ إلا النجوم.»
كانت تلك أول جملة شعرية كتبتها وأنا في التاسعة من عمري. لا أذكر اليوم لماذا كتبتها، ولا ماذا كنت أريد أن أقول بها، لكنني أذكر جيدًا فرحة عائلتي بها. شجعوني بحماس كبير، وكأنهم لم يروا مجرد كلمات كتبتها طفلة، بل رأوا بداية شيء يمكن أن يكبر معي. وربما كان ذلك أول مرة أشعر فيها أن الكتابة ليست مجرد هواية، وإنما شيء يمكن أن يكون جزءًا مني
بعدها التحقت بنادٍ للشعر في مدينتي. في البداية كان كل شيء جميلًا. كنت أذهب بحماس، وأشعر أنني أخطو فعلًا أولى خطواتي في طريق أحببته. لكنني تعرضت بعد ذلك لنوع من الظلم والتهميش، ولم أكن في ذلك العمر أملك القدرة على أن أضع ما حدث في حجمه الحقيقي. انسحبت باكية، وطلب مني أهلي أن أواصل الكتابة وألا أسمح لموقف واحد بأن يقتل شيئًا أحببته، لكنني لم أستطع. توقفت تمامًا، ومضت ست سنوات لم ألمس فيها القلم لأكتب حرفًا واحدًا
بل إنني مع الوقت أصبحت أخشى أن يذكرني أحد بأنني كنت يومًا أكتب. كنت أخاف أن يعيدني أحد إلى تلك الطفلة التي خرجت باكية من دار الثقافة، وكأنها أصبحت شخصًا آخر لا أريد أن ألتقي به من جديد
بعد سنين جاءت مرحلة الثانوية.في أحد دروس الأدب العربي، طلبت منا أستاذتنا أن نقوم بمشروع، وكانت أمامنا عدة أفكار نختار بينها عن طريق التصويت. لا أذكر اليوم جميع الاقتراحات، لكنني أذكر مثل اليوم لحظة كتابتها لاقتراح : قصيدة شعرية
تسارعت دقات قلبي
بقي جسدي جالسًا على كرسي قسمي، لكن شيئًا في داخلي عاد إلى سنوات بعيدة. عادت تلك الطفلة الصغيرة، وعاد معها ذلك الباب، وتلك الدموع، والقلم الذي تركته منذ ست سنوات. كنت أراقب زملائي وهم يرفعون أصابعهم للتصويت، ثم وجدت إصبعي يرتفع هو الآخر
صوتت للقصيدة الشعرية
لم أكن أعرف ماذا أفعل، ولم أكن أفكر في أنني على وشك العودة إلى الكتابة. كنت فقط أرفع يدي. لكنني عندما أتذكر تلك اللحظة الآن، أفكر دائمًا في سؤال واحد:
ماذا لو أنني لم أرفع يدي؟
ربما لهذا الموقف معنى أكبر مما كنت أظن. لأنه جعلني أفكر في شيء نمر به جميعًا في حياتنا، ونسمّيه غالبًا: الفرصة
نحن نتصور الفرصة عادة على أنها شيء كبير وواضح. باب يفتح فجأة، أو شيء طال انتظاره، فنقول مباشرة: هذه فرصتي. لكنني أعتقد أن الفرص أحيانًا تأتي بهدوء شديد. قد تكون قرارًا صغيرًا، أو محاولة ثانية، أو فكرة لم نكن نتوقعها، أو لحظة واحدة نقرر فيها ألا نهرب من شيء كنا قد هربنا منه من قبل
والأهم أن الفرصة لا تعني دائمًا أن نفعل ما نريد. أحيانًا تكون الفرصة في أن نعرف ما الذي ينبغي أن نتركه، وما الذي ينبغي أن نقترب منه. ولهذا لا أظن أن الإنسان يجب أن يسأل نفسه فقط: هل هذه فرصتي؟ بل عليه أن يسأل قبل ذلك: هل هذا يرضي الله؟
فليس كل باب يُفتح أمامنا خيرًا، وليس كل ما نرغب فيه مكتوبًا لنا أن نصل إليه. قد نتمنى شيئًا بشدة ثم يكون في الابتعاد عنه الخير، وقد نخاف من شيء ثم يكون فيه ما لم نكن نراه. ولهذا تكون الاستخارة من أجمل ما يمكن أن نلجأ إليه حين نقف أمام أمر لا نعرف خيره من شره؛ أن نطلب من الله أن يختار لنا، لا أن نطلب منه فقط أن يحقق ما اخترناه نحن
لكن هناك نوعًا من الفرص أشعر أنه يستحق انتباهًا أكبر من غيره
فرصة التوبة
أحيانًا نفكر في التوبة على أنها قرار نأخذه بعد أن نصبح أفضل. نقول: سأعود إلى الله عندما أتغير، عندما أترك هذا الذنب، عندما أستطيع أن ألتزم كما ينبغي. لكن ماذا لو كنا نقلب الأمر؟
ماذا لو كان ذلك الشعور بالذنب نفسه هو الفرصة؟
ماذا لو كان الندم الذي نشعر به بعد المعصية، والضيق الذي يدخل القلب بعدها، والرغبة التي تأتينا فجأة في أن نعود إلى الله، ليست مشاعر ينبغي أن نهرب منها، وإنما بابًا فُتح لنا؟
قد يرتكب الإنسان الذنب ثم يشعر بشيء داخله يقول له: هذا ليس الطريق الذي أريده، أريد أن أعود. وربما يتجاهل هذا الشعور، ويقول: سأفعل ذلك لاحقًا. ثم يعتاد الذنب، ويعتاد التأجيل، حتى يصبح ما كان يومًا نداءً واضحًا خافتًا جدًا
لهذا أرى أن من أعظم الفرص التي قد تمر بنا أن نشعر بالندم ونحن ما زلنا قادرين على الرجوع
يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: 53]
فلا تؤجل التوبة لأنك تظن أنك ستتوب يومًا أفضل من اليوم. قد لا تأتي تلك اللحظة التي تتخيلها، أما هذه اللحظة، فهي امامك الآن
وأعود في النهاية إلى تلك الطفلة التي رفعت إصبعها في قسمها بعد ست سنوات من الصمت. لم تكن تعرف ماذا سيحدث بعدها، ولم تكن تعرف أن تلك الحركة الصغيرة يمكن أن تعيد إليها شيئًا ظنت أنها فقدته. لكنها رفعت يدها
وأنا أيضًا لا أعرف ماذا ستفعل القرارات الصغيرة التي أتخذها اليوم، ولا إلى أين ستقودني. وربما هذه المقالة نفسها مجرد عودة صغيرة بالنسبة لي، وربما تكون شيئًا أكبر من ذلك. وربما تقرأ أنت هذه الكلمات الآن، وفي حياتك شيء تؤجله منذ زمن، أو باب تخشى أن تطرقه، أو ذنب تشعر في داخلك برغبة حقيقية في أن تتوب منه
لا أعرف ما هي فرصتك، ولا متى جاءت، ولا إن كنت ستتعرف إليها حين تقف أمامك. لكنني تعلمت شيئًا واحدًا من تلك السنوات الست: أحيانًا لا تأتي الفرصة لتعلن عن نفسها، بل تأتي بهدوء، وتترك لنا فقط أن نقرر هل سنمد أيدينا إليها أم لا. ولذلك، قبل أن نؤجل مرة أخرى، ربما يجدر بنا أن نسأل أنفسنا سؤالًا واحدًا:
ماذا لو كانت هذه هي الفرصة؟
ماذا لو كان الشعور الذي في قلبك الآن هو الدعوة التي انتظرتها طويلًا؟
ماذا لو كان الباب الذي تخاف أن تطرقه... مفتوحًا أصلًا؟
وماذا لو كان الله قد وضع أمامك الآن فرصة لن تعرف قيمتها إلا بعد سنوات؟
ارفع يدك
حتى لو ارتجفت
ابدأ
حتى لو كنت متأخرًا
عد
حتى لو ابتعدت كثيرًا
فبعض الفرص لا تأتي مرتين
لكن رحمة الله تجعل العودة ممكنة دائمًا
وليس كل باب يفتح أمامنا يحمل لافتة تقول: هذه فرصتك
أحيانًا علينا أن نعرف ذلك بأنفسنا
وربما تكون الفرصة أمامك الآن
وربما تكون هذه اللحظة بالذات
لحظة تستطيع فيها أن تبدأ من جديد
لحظة تستطيع فيها أن تتوب
لحظة تستطيع فيها أن ترفع يدك
وأحيانًا، كل ما يفصل الإنسان بين حياة كان يمكن أن يعيشها وحياة يعيشها فعلًا… هو أنه اختار، في لحظة واحدة، ألا يخاف من أن يرفع يده


ما شاء الله رائعة سلمت اناملك 😍🤍
مبدعة ما شاء الله تبارك الله 💕💕💕💕