في الجزائر لا يُدرَّس التاريخ... بل يُورَّث
في الجزائر، لا تحتاج إلى متحف تزوره، ولا كتاب تاريخ تقرؤه، لتعرف ثمن الحرية. يكفي أن تدخل أي بيت جزائري، وأن تدع عينيك تسكن قليلاً على صورة معلّقة بفخر على جدار متعب. ستجد هناك اسمًا لا يُذكر إلا وتنخفض الأصوات احترامًا: جدٌّ استُشهد في الجبل، أو عمٌّ اختفى في المعتقل فابتلعه الصمت من بعده، أو أمٌّ فقدت في ليلة واحدة زوجها وأبناءها الثلاثة، فاستيقظت وهي لا شيء إلا الانتظار
هذه ليست حكايات استثنائية عندنا، بل هي القاعدة التي عُجنت منها ذاكرتنا. أنا، مثل كل طفل جزائري، لم تُروَ لي قبل النوم حكايات الأمراء والفرسان، بل كانت تُروى لي قصة جدي؛ لأنني ببساطة وُلدت في أرض الشهيد، حيث كل تراب فيها روى دمًا قبل أن يُنبت سنبلة
والمفارقة الكبرى في وجداننا أن الشهيد عندنا لم يكن يومًا ضحية حرب، بل كان دائمًا باعث حياة. من دمه وُلدت دولة، ومن جرحه استمدّ جيل كامل معنى أن يكون حرًّا. فالجزائر قررت منذ لحظة ميلادها أن تحمل موتاها على كتفيها إلى الأبد، وأن يكون الوفاء لهم جزءًا لا يتجزأ من هويتها
كيف لا، وثمن ذلك الاستقلال كان مليونًا ونصف المليون شهيد، سقطوا بين معارك الجبال، وعمليات «التطهير» في القرى، ومراكز التعذيب، ومحتشدات التجميع القسري التي هُجِّر إليها ملايين الفلاحين. أرقام أخرى تُذكر في هذا السياق: مئات القرى التي أُحرقت بالكامل، وعشرات الآلاف من «المفقودين» الذين لم تعثر عائلاتهم على رفاتهم حتى اليوم
هذه الأرقام، رغم ضخامتها، تبقى عصية على التخيل ما لم تتحول إلى وجه، إلى اسم، إلى صورة معلّقة على جدار. وهذا بالضبط ما فعلته الذاكرة الشعبية الجزائرية: حوّلت الإحصائية الباردة إلى حكاية دافئة تُروى في كل بيت، وحوّلت مليونًا ونصف المليون رقم إلى مليون ونصف المليون بطل، لا يُنسى منهم واحد، ولا تُختصر تضحيتهم يومًا في سطر
فما يميز ذاكرتنا أنها لم تُحبس يومًا بين دفّتي كتاب مدرسي، بل هي حيّة تمشي بيننا: في اسم حفيدٍ سُمّي تيمّنًا ببطولة جدٍّ لا يزال حبر قصته دموع جدة لم تجفّ منذ ستة عقود، في أسماء شوارعنا، في أمثالنا الشعبية، وفي ألوان علمٍ نرفعه ونحن نبكي دون أن ندري لماذا بالضبط
هذا التوريث الشفهي، من فمٍ إلى قلب، يجعل كل جزائري، ولو وُلد بعد الاستقلال بعقود، يشعر أنه مدين شخصيًا لمليون شهيد؛ لأن الحرية التي يتنفسها كل صباح ليست هبة مجانية، بل أمانة ثقيلة كوزن الجبل الذي استُشهد فوقه جدّه
وفي زمن تتآكل فيه ذاكرة الشعوب أمام سرعة الحاضر، يبقى الجزائري متشبثًا بذاكرته كركيزة للهوية الوطنية. فحين تُبنى دولة على تضحيات بهذا الحجم، وتولد الحرية من رحم الألم، لا يعود حب الوطن خيارًا عاطفيًا نملك رفاهية تركه، بل يصبح دينًا أخلاقيًا في رقبة كل من بقي حيًّا، تجاه كل من رحل ليبقى غيره حرًّا
فنحن لسنا شعبًا نجا من الموت، بل شعبٌ وُلد منه
نحن أبناء الجزائر، نحن للمجد بناة
نحن من نعيش الحرية لأن الله سبحانه وتعالى أعان ثوارنا على أن يطلقوا صرخة الاستقلال من أعالي الجبال، معلنين لمن يحاكون الأسوة في المدينة، فيصفون ما سمعوه قائلين
من جبالنا طلع صوت الأحرار
ينادينا للاستقلال
ينادينا للاستقلال
لاستقلال وطننا
تضحيتنا للوطن
خير من الحياة
أضحي بحياتي
وبمالي عليك
نحن من كتب أجدادنا بدمائهم:
صرخة الأوطان من ساح الفدا
فاسمعوها واستجيبوا للندا
واكتبوها بدماء الشهدا
واقرأوها لبني الجيل غدا
قد مددنا لك يا مجد يدًا
وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر
فاشهدوا... فاشهدوا... فاشهدوا.
فليشهد التاريخ أن رسالة الأجداد قد وصلت إلينا، وأننا قرأناها كما أرادوا لها أن تُقرأ، وحملناها في ذاكرتنا كما نحمل أسماءنا، فتوارثنا منهم الإيمان والعزة وحب الوطن والوحدة و الاخوة وكره فرنسا


الله يرحم شهدائنا 🤲
🇩🇿تحيا بلادي
تحيا الجزائر 🇩🇿